عمر فروخ

56

تاريخ الأدب العربي

لم يفعل ذلك لم يدر ما أريد بتلك المعاني ولا أيّ ثمرة يجتني منها ولا أيّ نتيجة تحصل له من مقدّمات ما تضمنه هذا الكتاب . وإنه إن كانت غايته منه استتمام قراءته والبلوغ إلى آخره دون تفهّم ما يقرأ منه لم يعد عليه شيء يرجع اليه نفعه . . . « وكذلك من قرأ هذا الكتاب ولم يفهم ما فيه ولم يعلم غرضه ظاهرا وباطنا لم ينتفع بما يبدو له من خطه ونقشه . كما لو أنّ رجلا قدّم له جوز صحيح لم ينتفع به إلّا أن يكسره ويستخرج ما فيه . وكان أيضا كالرجل الذي طلب علم الفصيح من كلام الناس ، فأتى صديقا له من العلماء له علم بالفصاحة فأعلمه حاجته إلى علم الفصيح . فرسم له صديقه في صحيفة صفراء فصيح الكلام وتصاريفه ووجوهه ؛ فانصرف بها إلى منزله ، فجعل يكثر قراءتها ولا يقف على معانيها ولا يعلم تأويل ما فيها حتى استظهرها كلّها . فاعتقد أنه قد أحاط بعلم ما فيها . ثم إنه جلس ذات يوم في محفل من أهل العلم والأدب فأخذ في محاورتهم ، فجرت له كلمة أخطأ فيها . فقال له بعض الجماعة : إنّك قد أخطأت ، والوجه غير ما تكلّمت به . فقال : كيف أخطئ وقد قرأت الصحيفة الصفراء وهي في منزلي ؟ فكانت مقالته هذه أوجب للحجّة عليه ؛ وزاده ذلك قربا من الجهل وبعدا من الأدب . . . « وقد يقال إن العلم لا يتمّ إلّا بالعمل ، وأنّ العلم كالشجرة والعمل به كالثمرة . وإنما صاحب العلم يقوم بالعمل لينتفع به ، وإن لم يستعمل ما يعلم فليس يسمّى عالما . ولو أن رجلا كان عالما بطريق مخوف ثم سلكه على علم به سمّي جاهلا . « وأقل الناس عذرا في اجتناب محمود الأفعال وارتكاب مذمومها من أبصر ذلك وميّزه وعرف فضل بعضه على بعض . كما أنه لو أنّ رجلين أحدهما بصير والآخر أعمى ساقهما الأجل إلى حفرة فوقعا فيها كانا ، إذا صارا في قعرها ، بمنزلة واحدة . غير أن البصير أقلّ عذرا عند الناس من الضرير ، إذ كانت له عينان يبصر بهما ؛ وذاك بما صار إليه جاهل غير عارف . « وقد ينبغي للناظر في كتابنا هذا ألّا تكون غايته التصفح لتزاويقه ، بل يشرف على ما يتضمن من الأمثال حتى يأتي عليه إلى آخره ، ويقف عند كل مثل وكلمة ويعمل فيها رويّته ، ويكون مثل ثالث الإخوة الثلاثة